الأسس الاقتصادية للمنطقة جيدة لكنها مقترنة برؤية ضبابية للمخاطر الجيوسياسية دول الخليج تحتاج إلى خطة لتقليص الاعتماد على الطاقة وتحقيق التوازن بين «العام»و «الخاص
“العاصفة قادمة لكن لا داعي للذعر…
نحن متفائلون بأن 2012 سيكون عام التغيير الكبير”… هذا ما أكده كبير الخبراء الاقتصاديين لدى “ساكسو بنك إيه/إس” ستين جاكوبسون خلال استعراضه للوضع الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، موضحاً أن تلك العاصفة إنما تأتي على منطقة تتمتع بأسس اقتصادية جيدة لكنها مقترنة برؤية ضبابية للمخاطر الجيوسياسية. ويضيف جاكوبسون في حوار خاص مع “الجريدة”: “مع تباطؤ النمو العالمي، نتوقع أن تحافظ أسعار
النفط على نطاق مستوياتها الحالية، وستحتاج المنطقة إلى جذب المزيد من الاستثمارات كي تواصل ازدهارها وتقلل من اعتمادها على النفط في نموها الاقتصادي. ونتوقع أن تتواصل طفرة النمو في دولة قطر هذا العام على الرغم من أنها ستكون أقل بكثير من مستويات الازدهار الهائل في السنوات الأخيرة، ومن المتوقع ازدياد الناتج المحلي
الإجمالي بمعدل 6 في المئة هذا العام بعد أن كان بأرقام ثنائية الخانة في السنوات السابقة”. واشار الى ان التوقعات تشير إلى أن البحرين ومصر والإمارات العربية المتحدة ستكون من بين الدول الأبطأ نمواً في المنطقة هذا العام، ومع ذلك يتوقع لها أن تحقق نمواً معقولاً بحدود 3 في المئة”، وفي ما يلي تفاصيل اللقاء
بالنسبة الى دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتحديد الكويت، ما التحديات التي تواجهها في 2012؟
أتوقع أن تحقق منطقة مجلس التعاون الخليجي بمجملها نمواً قدره 3.5 في المئة. ويتمثل التحدي الذي تواجهه دول الخليج – بما فيها الكويت – في إعداد خطة طويلة الأمد، يقل فيها الاعتماد على الدخل من قطاع الطاقة، مع الوقت. ومن العوامل الأخرى التي تكتسب أهمية كبيرة في هذا المجال: المزيد من الانفتاح، وتطوير أسواق رأس
المال، وتشجيع الاستثمار طويل الأمد. والعامل الرئيس لنجاح أي اقتصاد، وليس فقط اقتصادات دول الخليج، هو تحقيق التوازن بين مشاركة القطاع العام والقطاع الخاص، إذ يلعب القطاع العام حالياً دوراً أكبر من اللازم في اقتصادات كل من دول الخليج وأوروبا، ما يعني أن علينا نقل الاستثمارات تدريجياً من القطاع العام إلى الخاص
لتحقيق نمو طويل الأمد.
شهد عام 2011 سقوط عدد من الأنظمة لدول باتت تعرف لاحقاً بـ”الربيع العربي”، ما توقعاتك لأداء تلك الاقتصادات خلال المرحلة المقبلة؟ والتحديات التي تواجهها؟
لعلنا سنشهد المزيد من التقلبات والتوترات في المرحلة المقبلة، لكن الخطوات الصغيرة نحو الإصلاح ستصبح برأيي أبرز المقومات. وبحكم مهنتي كخبير اقتصادي، فأنا أركّز دائماً على متابعة الأمور من منظور تاريخي ووفق التسلسل الزمني للأحداث. وقد وضحّت الثورات العربية الرؤية أمام الكثيرين، وأنا منهم، لكن لا يزال على جميع
البلدان العمل نحو تحقيق التوازن المناسب بين السلطة والمال والتاريخ، كل حسب ظروفه الخاصة. وأنا على يقين من أن دول الخليج ستكون خلال 10 سنوات قوية وقادرة على تبوؤ مكانتها التي تستحقها في الاقتصاد العالمي، رغم أن هذا الأمر ليس بالسهل. في بعض الأحيان، يكون الاضطرار لمواجهة التحديات هو الدافع المباشر لاتخاذ قرارات مستحقة منذ زمن طويل.
ما الأدوات الاستثمارية الآمنة خلال الفترة المقبلة، على المستويات العالمية والإقليمية، والتي تنصح بها المستثمرين، وما هي أفضل الأسواق من وجهة نظرك، ولماذا؟
لديّ شخصياً ما نسبته 20 في المئة من الاستثمارات في الذهب، فالبنوك المركزية في بلدان عديدة تقوم بطباعة كميات ضخمة من النقد. وإن العائدات البالغة 30 في المئة من السندات ذات الحصيلة العالية والسندات الحكومية وأسواق الدين والائتمان هي الأكثر غرابة بالنسبة لي خلال فترة عملي الطويلة التي تناهز 30 عاماً في مجال التداول، وبرأيي هنا تظهر الاستثمارات ذات المخاطر المتدنية والحصيلة المرتفعة. وأخيراً، أصبح لديّ حوالي 50 في المئة نقداً. ولا أقول ذلك لأنني أخشى المستقبل، لكن لأنني اعتقد أن فترة الـ 6 – 18 شهراً المقبلة ستحمل معها إمكانات جيدة لدخول سوق التداول، وذلك إن تمكنّا من إنجاز التغييرات المستحقة، كالتعامل مع أزمة الديون في
اليونان وفي أوروبا بشكل عام. وأرى أن المستثمر الخليجي عليه القيام بالأمر ذاته أيضاً، على الرغم من أن الأسعار في أسواق الأسهم الخليجية أصبحت معقولة إلى متدنية.
واجه منتدى “دافوس” الماضي احتجاجات واسعة النطاق ضد سياسات أعضائه من المسؤولين الحكوميين وأصحاب الشركات العملاقة، ما تفسيرك لهذه الاحتجاجات، وهل من الممكن اعتبارها البداية لسقوط النظام الرأسمالي، كما سقطت قبله أنظمة اقتصادية؟
على الإطلاق، فأين توجد الرأسمالية في العالم؟ ما لدينا هي أنظمة موجهة من الدول، وهي في الواقع أسواق ذات حرية زائفة تتدخل فيها الحكومات بشكل كبير. أما الاحتجاجات فقد ساهمت في التوجه نحو زيادة طباعة النقد، وأصبحت الطبقة الوسطى تخسر قدراً لا بأس به من دخلها بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الغذائية إلى جانب
ضرائب التقشف. إذن جوابي هو لا، وأعتقد أن تلك هي نهاية التدخل الحكومي الزائد في الاقتصاد، ليحل محله مستوى أكبر من الاستثمارات الرأسمالية الخاصة، وهذا بالذات ما يمنحني آمالاً كبيرة تجاه المستقبل.
مستقبل “اليورو” أصبح يحيط به الغموض، هل تتوقع انهياره، أو على الأقل خروج دول منه؟ وما الأخطاء التي وقع فيها؟ وكيف يتم إنقاذه؟ ماذا تقصد بالانهيار؟!
أعتقد أن منطقة اليورو ستتغير، إذ يرجح أن تخرج اليونان والبرتغال من نظام اليورو، وإن حدث ذلك فسيكون إشارة إيجابية للنظام المالي بشكل عام وليس لمنطقة اليورو وحسب. علينا التعامل مع الواقع بدلاً من الرغبات إن أردنا أن نواصل التقدم وتحقيق الأمن [الاقتصادي] في أوروبا والخليج والمناطق الأخرى، فنحن نعيش في منظومة اقتصاد عالمي، وحان الوقت للتصرف من هذا المنطلق.
على ضوء ما يعانيه الاقتصاد الأميركي من أزمة ديون ومشكلة عجز ائتماني، يستعد الأميركيون للانتخابات لرئاسية في نوفمبر القادم، في وقت تتراجع فيه حظوظ الرئيس الحالي باراك أوباما، حسب استطلاعات الرأي. إلى أي مدى من الممكن أن يؤثر أداؤه –أوباما – الاقتصادي في فرص فوزه بفترة رئاسية ثانية؟
جوابي هو: 95 في المئة، ولهذا السبب فإن انخفاض نسب البطالة كان نبأً ساراً بالنسبة لأوباما، إضافة إلى أن مرشح الحزب الجمهوري يبدو ضعيفاً، ولا أعتقد أن رومني هو الشخص الذي يمكنه التغلب على أوباما.
هل ستشهد 2012 تبدلاً في مواقع الاقتصادات العملاقة على الخريطة العالمية؟ ومالاقتصادات المرشحة لاحتلال المواقع المتقدمة؟
كلا لا أعتقد ذلك، فأنا أرى أن الاقتصادات العالمية ستشهد نمواً أكثر توازناً، حيث ستستعيد اليابان توازنها فيما يتوقع أن تشهد الصين عجزاً تجارياً، ولو لفترة قصيرة على الأقل، وتلك أمور طيبة في الواقع، فقد تعرّض العالم أجمع لمرحلة من ضعف التوازن في الفترة بين عامي 2005 و2008، والآن أصبح التدفق التجاري والنمو موزعاً بشكل أكثر انتظاماً، ما يجعل مرحلة النمو المقبلة مرشحة للاستمرار فترة طويلة مقارنة بفترات شهدت بدايات انتعاش زائف عدة مرات في العقدين الماضيين
ما توقعاتك لأداء اقتصادات شرق آسيا، وبالتحديد الصين؟
نتوقع للصين نمواً قدره 7.5 في المئة، فهذه الدولة أشبه بسفينة عملاقة تتطلب إعادة توجيهها اقتصادياً الكثير من الوقت. الأمر الذي يقلقني حيال الصين هو هجرة رؤوس الأموال، وشح الفرص الائتمانية، ولكن بشكل عام أتوقع أن يصل النمو إلى ما بين 6.5 و7.5 في المئة.
جاكوبسون في سطور
تم تعيين ستين جاكوبسون في منصب كبير المحللين الاقتصاديين لدى ساكسو بنك في مارس 2011. ويعود جاكوبسون إلى البنك بعد غياب عامين، تولى خلالهما منصب رئيس الشؤون الاستثمارية لدى «ليموس كابيتال بارتنرز». وقبل مغادرته لساكسو بنك مطلع عام 2009، كان جاكوبسون قد عمل لدى البنك لفترة تقارب 9 سنوات رئيساً للشؤون الاستثمارية. يتمتع جاكوبسون بخبرة تمتد لأكثر من 20 عاماً في مجالات الملكية التجارية والاستثمارات البديلة. وبعد أن أنهى دراسته في تخصص الاقتصاد بجامعة كوبنهاغن عام 1989، بدأ جاكوبسون مسيرته المهنية في «سيتي بنك إن.إيه كوبنهاغن»، ومنه انتقل إلى «هافنيا ميرشنت بنك» رئيساً لقسم المبيعات وخيارات الاستثمار. وفي عام 1992، انضم جاكوبسون إلى مؤسسة «تشايس مانهاتن» في لندن في منصب نائب رئيس قسم المبيعات في دول اسكندنافيا، وانتقل بعدها إلى مجموعة تشايس مانهاتن للملكية التجارية. وفي الفترة من عام 1995 إلى 1997، عمل مسؤولاً للملكية التجارية ورئيساً لقسم العمليات لدى «سويس بانك كورب» في لندن. وفي عام 1997، أصبح جاكوبسون الرئيس العالمي للتداول وفوركس وخيارات الاستثمار لدى مؤسسة «كريستينا» (والتي تحمل الآن اسم «نورديا») في نيويورك، وذلك حتى انضم إلى بنك «يو بي إس» في نيويورك عام 1999 كمدير تنفيذي للمجموعة العالمية للملكية التجارية
للمزيد من المعلومات الرجاء زيارة الرابط. ساكسو بنك دبي